مثلت القرارات الحازمة التي اتخذها فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي قوة اْستند اليها كافة أبناء اليمن في الداخل والخارج, وأعادت رسم ملامح الصورة الكبيرة للوطن الكبيرة وأحسسنا بروح الوطن يسري في أروقة أرواحنا من جديد, ليس فقط لأنه عزل الكائنات الطفيلية التي تقتات من إشعال الأزمات وتعيش عليها , فمن تلك الكائنات ما زال هناك الكثير وهي تتصدر المشهد في كثيرٍ من الأحيان , ولكن لأننا أحسسنا بوجود قائد يمكننا الاعتماد عليه والركون إليه لإعادة الوطن وإعادتنا إليه.
في قلب تلك الأحداث التي عاصرناها وعصرت زهرة شبابنا، نجد أنفسنا أمام برجماتيه شرسة؛ تتنفس ما بقي من قيم وطنية , وأفرزت أزمات متراكمة, يعيش المواطن اليمني تِيْه واضح بين الهوية الوطنية والتعايش مع الواقع المختل, ولذا استدعت وقفة الحزم من القيادة الحكيمة وتنقية الصفوف من دنس الولاءات المتعددة والقيم الدخيلة, وعليه هناك أيضا الآلاف من القيادات التي تساند القيم الوطنية وإعادة بناء الدولة وفق الأسس الوطنية والحلول المتفق عليها.
في مقال للبروفيسور أيوب الحمادي ذكر أنه في خضم الركود الاقتصادي في المانيا, بينما تسقط آلاف الشركات التي عجزت عن مجاراة روح العصر، ولدت آلاف المنشآت التقنية التي تؤمن بأن السيادة الحقيقية تكمن في الابتكار والبحث العلمي. ومن وحي "الصعود على أكتاف العمالقة" في الغرب، أكتب اليوم لليمن؛ ليس كأكاديمي ينظر من برج عاجي، بل كقائد ميدان مؤسسي يرى أن الإدارة هي "فن التكيف" مع أصعب المعضلات لإيجاد حلول جذرية لخلية النحل الوطنية المنهكة.
"الجسور" الأخيرة:
إنني أعتبر هذه المرحلة آخر جسور العبور إلى اليمن, فالفترة التي عشناها صنعت فجوة كبيرة بيننا وبين الوطن , بين ما نؤمن به وما نعايشه , ولذا نزفت الكثير من العقول وهجرت العقول من الوطن بشكل مبالغ فيه وبالتالي بحثت لها عن وطن تتعايش معه, واختلال الموازين بسبب تولي القيادات غير الكفؤة زمام الأمور افرغ قيمة الانتماء وفقدت اليمن ثروة بشرية ومادية لا يمكن تعويضها بسهولة في بلد يعد الأفقر في مجرته.
العودة إلى سبر أغوار القضية ولملمة الخيوط وإعادة شكّها هو الجسر الأخير ولا يمكن البناء على ركام أو حطام بال , ولذا على القيادة القادمة تحمل تلك المسؤولية التاريخية أمام الأجيال القادمة رغم أنها تثقل الكاهل ولكنها مهمة حتى نعيد الأمل للأجيال القادمة لبناء اليمن.
حكايتنا مع "الخلية" وتحدي السيادة
في عالم النحل تقوم الملكة برحلة طيران من أجل تحقيق عملية التكاثر , ولقد تعلمنا من عالم النحل أن "رحلة الزفاف" تلك لا تكتمل إلا بذكور أقوياء يضمنون بقاء النوع. وبإسقاط ذلك على واقعنا، نجد أن المشكلة ليست في شح الموارد، بل في غياب البيئة الآمنة التي تجذب العقول والأموال.
ودعني أصارحك يا صديقي القارئ بأن التحدي يكمن في تكوين حكومة تمتلك القدرة على التحدث بلغة العصر ويكون لديها مشروعاً واضحاً لاستيعاب الكفاءات وتفعيلها وتوجيهها وفق رؤية واضحة ومحددة لكل اليمن, فالعمل مع حكومات تفتقر للرؤية هو مجرد هدر للوقت، وليكن نموذجنا المعياري هو المملكة العربية السعودية راعية اليمن الاتحادي الجديد وصانعة واقعه.
أجد نفسي أيضا اتحدث عن أهمية التركيز على استدامة الحل من خلال تلك الرؤية أو التوجه الاستراتيجي, فمهما كان دعم الأشقاء والأصدقاء صادقاً وملموساً, دون وجود أعمدة وطنية تسندها تظل حلول وقتيه ومستوردة, وكلنا يعلم أن الحلول المستوردة تعمل على تأجيل الأزمات ولا تقضِ عليها, فالحل الناجع هو الذي ينبع من الداخل. فالاستمرار في استيراد الحلول يعني أننا سنعود يوماً ما إلى النقطة صفر فور توقف الدعم. الحل الحقيقي يكمن في التركيز على بناء الإنسان اليمني؛ فهو المشكلة وهو الحل.
معايير الاختيار لبناء الحكومة
إن أردنا لليمن العبور نحو الدولة الاتحادية، فلا بد من اعتماد معايير حاكمة للاختيار, وهذه ثقتنا بالدكتور شائع الزنداني, القيام باستقطاب الكفاءات للعاملين في الحكومة الجديدة ويجب أن يستلهم معايير التميز القيادي الحقيقية, مثل:
الاستعداد للعمل من الداخل : أن تكون القيادات المكلفة قادرة على العودة إلى ارض الوطن والعمل من الداخل لحل مشكلات البلد والمواطنين , والعمل بجد واجتهاد من اجل تحقيق المستهدفات المطلوبة خلال فترة توليها.
الكفاءة العلمية والعملية: ان تمتلك القيادات الجديدة الكفاءة العلمية والخبرات الميدانية وقادرة على إدارة مشاريع وفق معايير العمل المؤسسي الصحيح.
المعيار السلوكي: تكون قيادات لم تتلوث بملفات فساد أو بؤر مخزية كالمشاركة في دعم الانقلابيين أو قبول مبالغ مالية من أي جهة غير الوطن , أو ملفات رشأوى ومشاريع مشبوهة وغيرها.
الولاء الوطني المطلق: إنهاء "تعدد الولاءات" (للحزب، القبيلة، أو الخارج). الانتماء يجب أن يكون للوطن، ولا شيء غير الوطن.
تطبيع الحياة وتجفيف منابع الحرب
إن رأس الحربة في معركتنا اليوم هو المواطن اليمني, تحقيق نتائج ملموسة على ارض الواقع وتطبيع الحياة الاجتماعية, إعادة الدولة لأداء عملها في المناطق المحررة هو الذي سيكسر الانقلاب في الشمال والجنوب, وعودة الخدمات (الكهرباء، المياه، الأمن) هي التي ستجعل المواطن يتفرغ لبناء مستقبله, وبالتالي يتم تجفيف منابع دعم الميليشيات الانقلابية بتوفير خيارات للمواطن البسيط للحياة الكريمة دون الاضطرار لبيع نفسه للشيطان بدعمها.
ومن المهام الكبيرة على الحكومة الجديدة معالجة آثار عشر سنوات من الحرب التي دمرت الوطن والمواطن, وعليها ردم الفجوة الحضارية وفجوة التجهيل التي خلفتها سنوات الحرب العجاف, يجب أن تعمل الحكومة على قطع "منابع الإمداد البشري" للحروب من خلال:
تشجيع الاستثمار وبناء المصانع: ليمسك الشاب اليمني أدوات الإنتاج بدلاً من السلاح, ويتحولون من أدوات للهدم إلى أدوات للبناء.
بناء مداميك الانتماء للوطن: لتعمل على تعزيز الهوية الوطنية أولا في أوساط الجيش ثم الوطن من خلال غرس قيم الثورة والجمهورية في وجدان الأجيال القادمة, من خلال بنية تعليمية قوية وهوية إعلامية واضحة وتوجيه الارشاد الديني وفق مراد الله سبحانه وتعإلى.
تمتلك اليمن الكثير من نقاط القوة التي يمكن ان تستثمرها وفق الفرص المتاحة لديها, وتفعيل النمو من خلال الاهتمام بتطوير الممكنات البشرية والمادية وما تملكه اليمن لتحويلها إلى عوامل تنمية وليس أسباب للصراع على الثروة , فالحكومة الجديدة يجب ان تمتلك حس استشراف المستقبل وتوظيف تلك الممكنات , مع تفعيل الأجهزة المختلفة لمتابعة وتقييم ومحاسبة الاختلالات والعاملين عليها وفق قوانين واضحة يخضع لها الكبير قبل الصغير.
رسالة إلى القيادة
إن الحزم الذي تجلى في قرارات فخامة الرئيس رشاد العليمي الأخيرة يمثل "نقطة تحول" لاستعادة الثقة بالدولة. هذه الخطوات هي التي ستدفع كل اليمنيين في الداخل والخارج إلى حشد كل الإمكانيات لدعم الحكومة؛ والعمل معها يداً بيد من أجل تحصين البناء والعمل على رفعه فالمواطن ينتظر الشريك الذي يدرك قيمة الزمن ويمتلك المصداقية والنزاهة.
إما أن نختار فريقاً لليمن يفهم كيف يستفيد من قدرات الداخل والخارج لندخل به هذه الألفية، أو نظل في دائرة المراضاة للانتهازيين والطفيليين الذين لا ينجحون إلا في سرقة ما تحت أيديهم وتدمير ما حولهم.
يجب أن يعود النحل إلى مواقعه لبناء الخلية، والأولوية الآن هي الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وصناعة الحياة في بلد يستحق أن يعود سعيداً كما كان بهمة رجاله وكفاءة قياداته.
يمن واحد.. دولة اتحادية واحدة.